ابن عجيبة
76
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : له ، خاصة ، دون غيره ، لا استقلالا ولا اشتراكا . فالقهرية لازمة لهما ، المستلزمة للقدرة التامة والتصرف الكلى ، إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة ، وأمرا ونهيا ، وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً كما زعم اليهود والنصارى في عزير والمسيح - عليهما السلام - ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ كما زعمت الثنوية القائلون بتعدد الآلهة ، والرد في نحورهم . وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي : أحدث كل شئ وحده ، لا كما تقول المجوس والثنوية من النور والظلمة . أي : أظهر كل شئ فَقَدَّرَهُ أي : فهيأه لما أراد به من الخصائص والأفعال اللائقة به ، تَقْدِيراً بديعا ، لا يقادر قدره ، ولا يبلغ كنهه ؛ كتهيئة الإنسان للفهم والإدراك ، والنظر والتدبير في أمور المعاش والمعاد ، واستنباط الصنائع المتنوعة ، والدلائل المختلفة ، على وجود الصانع . أو : فقدّره للبقاء إلى أبد معلوم . وأيّا ما كان ، فالجملة تعليل لما قبلها ، فإن خلقه تعالى لجميع الأشياء على ذلك الشكل البديع والنظام الرائق ، وكل ما سواه تحت قهره وسلطانه ، كيف يتوهم أنه ولد لله سبحانه ، أو شريك له في ملكه . تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . الإشارة : عبّر بالعبودية في التنزيل والإسراء ؛ إشارة إلى أن كل من تحقق بالعبودية الكاملة له حظ من تنزيل الفرقان على قلبه ، حتى يفرق بين الحق والباطل ، وحظ من الإسراء بروحه إلى عالم الملكوت والجبروت ، حتى يعاين عجائب أسرار ربه . وما منع الناس من تنزل العلوم اللدنية على قلوبهم ، ومن العروج بروحهم ، إلا عدم التحقق بالعبودية الكاملة لربهم ، حتى يكونوا مع مراده ، لا مع مرادهم ، لا يريدون إلا ما أراد ، ولا يشتهون إلا ما يقضى ، قد تحرروا من رقّ الأشياء ، واتحدت عبوديتهم للواحد الأعلى . فإذا كانوا كذلك صاروا خلفاء الأنبياء ، يعرج بأرواحهم ، ويوحى إلى قلوبهم ما يفرقون به بين الحق والباطل ، ليكونوا نذرا لعالمى زمانه ؛ قال تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ « 1 » . وبالله التوفيق . ثم ردّ على أهل الشرك ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 3 ] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً ( 3 )
--> ( 1 ) الآية 24 من سورة فاطر .